→ المدونة

لغة وإعلاننكتبها

اللهجة البيضاء

معاذ مطاعن، ٩ دقايق قراءة

ثلاثة بيوت سعودية متجاورة من نجد والحجاز والجنوب، نافذة واحدة منها مضاءة يخرج منها شريط ملوّن كأنه صوت، وأمامها مكبّر صوت رمادي.
على قد وقتك

قبل ما تقرا، حط رأيك في الميزان.

«إذا تبي الناس يحسّون إن إعلانك منهم، اللهجة البيضاء ما تكفي.»

وين تقف؟

رأيك ما ينربط باسمك ولا بريدك.

فيها حاشية من معاذ.

شغّل أي إعلان سعودي كبير صدر هذا العام، وأنصت جيدًا. غالبًا ستسمع كلامًا لا ينتمي إلى مدينة بعينها، فلا هو نجدي ولا حجازي ولا جنوبي. لهجة «بيضاء» يفهمها الجميع.

وهذا قرار مفهوم. فالحملة تخاطب المملكة كلها، والمعلن لا يريد أن يخسر أحدًا.

اللهجة التي يفهمها الجميع، لا يشعر أحد أنها تخاطبه.

لكن شيئًا يضيع في الطريق. تسمع الإعلان وتفهمه، ثم تنساه، لأنه كان يكلّم «الجمهور» ولم يلتفت إليك.

فاسأل أولًا عن مهمة رسالتك، ثم عن حجم جمهورك. إن كانت تنقل معلومة، كفتك البيضاء. وإن كانت تبني انتماءً، احتجت لهجة لها بيت.

البيضاء لها بيت

قبل أن نحكم على البيضاء، لننظر من أين جاءت. في مارس ٢٠٠٧ سألت صحيفة «الشرق الأوسط» مديري تسويق ووكالات إعلان عن لهجة الإعلانات السعودية، فقال مدير التسويق في الشركة المنتجة لـ«فيري» إن الحجازية هي الغالبة، لأنها تُفهم في كل مناطق المملكة١. وذكر آخرون أن بعض الإعلانات كانت تُنتج مرتين، مرة بالحجازية ومرة بالنجدية، لأن جمهور منطقة قد ينفر من لهجة الأخرى.

وبعد خمسة عشر عامًا درست الباحثة نجلاء الغامدي لغة ستة وعشرين إعلانًا تلفزيونيًا سعوديًا، فوجدت لهجة مشتركة تتشكّل بين النجدية والحجازية، يغلب عليها الطرف النجدي بوضوح٢.

ضع الخبرين جنبًا إلى جنب، وستلاحظ أن «اللهجة التي يفهمها الجميع» كانت حجازية الهوى في ٢٠٠٧، وصارت نجدية الهوى في ٢٠٢٢. فالبيضاء لم تكن يومًا بلا بيت. لها بيت لا تذكره، والأرجح أنه بيت المدينة التي يسكنها أكثر من يكتب الإعلانات ويقرؤها بصوته.

ولهذا لا تبدو البيضاء محايدة لكل من يسمعها. يسمعها ابن الرياض فلا يلاحظ شيئًا، لأنها قريبة من كلامه. ويسمعها ابن جازان أو الأحساء فيعرف من أول جملة أن المتكلم ليس من عنده. ، وبعيدًا عن الباقين.

ما تكسبه، وما تدفعه

البيضاء تشتري لك شيئًا حقيقيًا: أن يفهمك كل من يسمعك، وألا ينفر منك أحد. وهذا ما تحتاجه حين تكون مهمة الرسالة أن تنقل معلومة: موعد، أو سعر، أو طريقة تسجيل، أو تغيير في إجراء. في هذه الرسائل لا يحتاج السامع أن يحبك. يحتاج أن يفهمك ولا يخطئ.

لكنها لا تشتري القرب. والقرب هو ما تريده حين تكون الرسالة عن ذوق، أو عادة، أو مناسبة يحتفل بها الناس في بيوتهم. هنا يحتاج السامع أن يشعر أن المتكلم واحد منه.

وفي البحث ما يسند هذا التفريق، وإن كان بحذر. في تجربة نُشرت عام ٢٠١٩، استمع ٢١٨ ألمانيًا إلى إعلانات إذاعية بلكنة إقليمية قوية، وأخرى معتدلة، وثالثة بالألمانية المعيارية. وفي إعلان المنتج رأى المستمعون صاحب اللكنة المعتدلة أدفأ من صاحب المعيارية، ووصف الباحثون آثار اللكنة الإقليمية عمومًا بأنها محدودة٣.

ألمانيا ليست الرياض، والإذاعة ليست تيك توك، فلا أنقل النتيجة كما هي. لكن فيها تفصيلين يستحقان الانتباه. الأول أن المكسب كان دفئًا، أي شعورًا بالقرب، لا إقناعًا بالجودة. والثاني أن اللكنة المعتدلة هي التي كسبت. فاللهجة التي لها بيت لا تعني أن تُثقل الكلام حتى لا يفهمه إلا أهله. تعني أن يسمع الناس فيها بيتًا يعرفونه.

عائلة في جدة

وفي التقرير نفسه ذكر مدير التسويق ذاته إعلانًا يُعرض منذ أربع سنوات بلهجة أهل جدة، تظهر فيه عائلة «أبو فوّاز»، وقال إن تجاوب الناس معه في ازدياد١.

لا أعرف عن ذلك الإعلان أكثر مما قيل في الخبر، لكن الخبر يكفي للفكرة. سائل لغسيل الصحون يُباع في كل المملكة، اختار أصحابه أن يكلّموا الناس بلسان عائلة لها اسم ومدينة. ولم يمنع ذلك أحدًا في الرياض أو الدمام من أن يفهمه، فالسامع لا يحتاج أن يكون من جدة ليصدّق أبا فوّاز. يكفيه أن يشعر أن أبا فوّاز من مكان ما، وأنه يتكلم كما يتكلم الناس في بيوتهم.

فالناس يصدّقون المتكلم حين يكون له عنوان. أما «الجمهور» فلا عنوان له.

من الرمز إلى المطبخ

ومن الصفحة ذاتها مثال معاكس. قال مدير عام التسويق في المراعي حينها، حسام عبدالقادر، إن المعلنين لجؤوا إلى الرموز والشخصيات، كما في إعلانات عصير الفراولة، ليتجنّبوا سؤال اللهجة من أصله١. ومع ذلك رفض الفصحى في الإعلان، لأن الناس، كما قال، يكلّم بعضهم بعضًا بالعامية.

وبعد قرابة عشرين عامًا عادت المراعي إلى السؤال نفسه، وأجابت بطريقة أخرى. في ديسمبر ٢٠٢٥ عُرض على «شاهد» برنامج «طَعم السعودية»: خمس عشرة حلقة يتنقّل فيها الشيف هشام باعشن بين مناطق المملكة، ومعه في كل حلقة طاهٍ أو طاهية من أهل المنطقة يشرف على الطبخ ويحكم على الطبق، مثل «أم صالح» في حلقة القصيم. والمقدّم، بحسب الخبر، كان يرتجل بلا نص مكتوب٤.

لم تختر المراعي لهجة واحدة هذه المرة، ولم تهرب من اللهجات إلى الرموز. فتحت المطبخ لأهل كل منطقة، وتركت الكلام لأهلها بلا نص مكتوب.

والنتائج المنشورة لافتة. صار البرنامج الأول بين برامج الطبخ وأسلوب الحياة على «شاهد» خلال ستة أشهر، وكان ٩٥٪ من مشاهديه داخل المملكة، وتجاوزت مشاهداته على وسائل التواصل ٩٧ مليونًا، وجاءت قيمة التغطية التي كسبها دون أن يدفع ثمنها أعلى من ميزانية الحملة كلها بـ٦٩٪٥.

ولا أنسب هذه الأرقام إلى اللهجة وحدها، ففي البرنامج طبخ وسفر ومقدّم له جمهوره. لكن ما يستحق التأمل أن علامة تدخل كل بيت سعودي وصلت إلى الناس هذه المرة من باب مطابخهم، وتركت لكل منطقة أن .

كيف تحسم لهجة إعلانك القادم

قبل أن تكتب سطرًا في النص، أجب عن سؤالين، وبهذا الترتيب.

الأول: ما مهمة هذه الرسالة؟ إن كانت تنقل معلومة لا يجوز أن يخطئها أحد، فالبيضاء اختيار سليم، ولا تحتاج أن تعتذر عنه. وإن كانت تريد أن يشعر الناس أنها منهم، فالبيضاء ستوصل كلامك وتترك الشعور في الطريق.

الثاني: من الذي تريده أن يقول «هذا يكلمني»؟ إن كان جوابك «الكل»، فأنت لم تختر بعد. اختر بيتًا تبدأ منه، ولو كانت حملتك وطنية. فالإعلان الذي يتكلم بلهجة جدة لا يطرد أهل القصيم، كما لم يطردهم أبو فوّاز. والإعلان الذي يتكلم بلهجة لا أحد، لا يبقى في ذاكرة أحد.

وإذا اخترت لهجة لها بيت، فخذ معها شرطين. أولهما أن ، لأن اللهجة المقلّدة يكشفها أصحابها من أول كلمة، فينقلب القرب سخرية. وثانيهما أن تبقيها خفيفة، كما في تجربة الإذاعة الألمانية. فالمطلوب أن يسمع الناس البيت، لا أن يحتاجوا من يترجم لهم.

وإن اتسعت الميزانية، فلا بأس أن تتعدد البيوت: نسخة لكل منطقة، كما كان بعض المعلنين يفعل في ٢٠٠٧، أو باب لكل منطقة، كما فعلت المراعي.

الرأي اللي يخالفنا

كتبناه ضدنا بأقوى ما نقدر، وإنت احكم.

أقوى اعتراض على هذا المقال أن البيضاء ليست فراغًا، وأنها صارت مع الوقت لهجة الانتماء الوطني نفسه. فحين تخاطب حملة المملكة كلها في يومها الوطني، قد يكون الصوت الذي لا يُنسب إلى منطقة هو الأقرب إلى ما تريد قوله: أننا واحد. ثم إن تعدد النسخ يضاعف الكلفة، والميزانية المحدودة ينفعها إعلان واحد قوي أكثر من خمسة متوسطة. والأدلة التي استند إليها المقال قليلة باعتراف كاتبه: تجربة أُجريت في ألمانيا وأثرها محدود بوصف أصحابها٣، وبرنامج لا يمكن أن تُنسب نتائجه إلى اللهجة وحدها.

كان بعض المعلنين في ٢٠٠٧ يخافون أن تنفر منطقة من لهجة أخرى، فصوّروا إعلاناتهم مرتين، أو هربوا إلى الرموز. وخوفهم مفهوم. لكن قبل أن تسأل من قد ينفر من إعلانك، اسأل من سيشعر أنك تكلّمه. فالبيضاء تصل إلى كل بيت، ولا تدخل أيًّا منها.

خلصت. وين مال ميزانك؟

«إذا تبي الناس يحسّون إن إعلانك منهم، اللهجة البيضاء ما تكفي.»

النقاش

آراء القرّاء بعد ما خلّصوا المقال. ومعاذ يقرا كل رأي قبل ما ينعرض.

    وش تسوي بهالمعلومة؟

    ثلاث خطوات، أطولها ربع ساعة.

    1. اكتب مهمة إعلانكم الجاي في سطر واحد، وقرّر: هل هو ينقل معلومة، أو يبني قرب؟

      ٥ دقايق
    2. غطّ الشعار في آخر ثلاث إعلانات لكم واسمعها: تعرف المتكلم من وين؟ إذا ولا واحد، فإنتم للحين ما اخترتم بيت.

      ١٠ دقايق
    3. إذا اخترت لهجة، خلّ اثنين من أهلها يقرون النص بصوت عالي قبل التسجيل، وغيّر كل كلمة وقفوا عندها.

      ربع ساعة

    نحفظ اللي سويته على هالجهاز، وما نربطه باسمك.

    من وين جبناها

    1. الشرق الأوسط (الأرشيف الإنجليزي)، «Saudi Advertisements: Which Dialect Dominates?»، جدة، ٢١ مارس ٢٠٠٧en-archive.aawsat.com، فتحناه آخر مرة ٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦
    2. نجلاء الغامدي، «Najdi and Hijazi Dialects: The Formation in Progress of a Saudi Koine»، مجلة أبحاث اللغة والترجمة، جامعة الملك سعود، المجلد ٢، العدد ١، ٢٠٢٢jrlt.ksu.edu.sa، فتحناه آخر مرة ٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦
    3. برنا هندريكس وفرانك فان ميورس وغويندولين بينكه، «The Effect of Different Degrees of Regional Accentedness in Radio Commercials: An Experiment with German Consumers»، Journal of International Consumer Marketing، المجلد ٣١، العدد ٤، ٢٠١٩doi.org، فتحناه آخر مرة ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦
    4. الشرق الأوسط، كريستين حبيب، «طعم السعودية... مطبخ وسياحة وثقافة في برنامج واحد»، ٢٠ ديسمبر ٢٠٢٥aawsat.com، فتحناه آخر مرة ٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦
    5. Campaign Middle East، «Taste of Saudi: The story of a nation told through its culinary heritage»، ٧ مايو ٢٠٢٦campaignme.com، فتحناه آخر مرة ٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦

    سجل التصحيح

    ما صححنا شي في هالمقال للحين. وإذا لقيت غلط، قل لنا.

    المقال الجاي: «حصة الترشيح»، ينزل هنا الخميس ٣ ديسمبر.

    سجّل، ويوصلك أول عدد من النشرة الأحد ١٣ ديسمبر الصبح.

    → ارجع للمدونة

    ٩ دقايق قراءة