→ المدونة

استراتيجيةنكتبها

زبونك القادم بلا مشاعر

معاذ مطاعن، ١٢ دقيقة قراءة

رجل سعودي بثوب وشماغ من ظهره، يمشي بعصاه في زقاق سوق قديم بين أعلام ملوّنة كبيرة، ويروح للدكان الصغير في آخر الزقاق.
على قد وقتك

قبل ما تقرا، حط رأيك في الميزان.

«لما يسأل زبونك الذكاء الاصطناعي وش يشتري، ميزانية إعلانك ما تخلّيه يرشّحك.»

وين تقف؟

رأيك ما ينربط باسمك ولا بريدك.

فيها حاشية من معاذ.

كان في أسواقنا القديمة رجل يسمّونه «الدلّال». لا يبيع ولا يشتري، لكنه يعرف كل بضاعة في السوق، ويعرف الصادق من المبالغ. تأتيه فتقول: أريد أجود عود بهذا السعر، فيمشي بك إلى دكان واحد، ويتجاوز عشرة.

واليوم عاد الدلّال في هيئة وكيل ذكاء اصطناعي على جوال عميلك. يسأله: ما أفضل تطبيق توصيل؟ ما أفضل بطاقة للسفر؟ ما أجود عطر بأقل من ٣٠٠ ريال؟ فيجيبه باسم واحد، أو اسمين على الأكثر.

الدلّال الجديد لا يرى إعلانك. يقرأ ما كُتب عنك، ويقارن، ثم يختار.

وهنا المشكلة. هذا الدلّال لا يتأثر بشعارك، ولا بالأغنية التي أنفقت عليها نصف الميزانية. يجمع كل ما قيل عنك: موقعك، ومراجعات عملائك، والمقارنات التي كتبها غيرك، ثم يحكم.

وأول من يدفع الثمن العلامة المتوسطة، التي عاشت على أن يراها العميل كثيرًا فيتذكرها. والدلّال لا يحفظ الوجوه، يقارن البضاعة.

كيف عاشت العلامة المتوسطة

لعقود طويلة قام التسويق على معادلة بسيطة: كرّر اسمك حتى يصير أول ما يخطر للعميل لحظة الشراء. لم يكن مطلوبًا منك أن تكون الأفضل، كان يكفي أن تكون حاضرًا. لوحة على طريق الملك فهد، وإعلان في رمضان، ولحن يعلق في الأذن، ثم يقف العميل أمام الرف فتمتد يده إلى الاسم الذي يعرفه.

ونجحت هذه المعادلة لأن العميل كان يختار وحده. ذاكرته محدودة، ووقته أضيق من أن يقارن عشرين خيارًا، فالعلامة التي اشترت مكانًا في ذاكرته اشترت معه جزءًا من قراره.

الذي تغيّر أن وسيطًا صار يقف بين العميل والرف. وهذا الوسيط لا يتعب من المقارنة، ولا يملّ من المراجعة رقم مئتين، ولا يتذكر إعلانك لأنه لم يشاهده أصلًا. يكتب له العميل سؤاله كما يكتبه لصديق، فيعود إليه بخلاصة: هذا يناسبك، وذاك يشتكي الناس من ثباته.

والفرق في الشكل وحده كبير. صفحة البحث كانت تعرض عشرة روابط، والعميل يفتح بعضها ويقارن بنفسه، فكان لصاحب الإعلان فرصة أن يُرى حتى لو لم يكن الأنسب. أما الإجابة فتعرض اسمًا أو اسمين، والمقارنة جرت قبل أن يقرأ العميل السطر الأول.

والعلامة المتوسطة هنا في موقف صعب. هي ليست الأرخص حتى تكسب سؤال السعر، ولا الأجود حتى تكسب سؤال الجودة. كانت تكسب لأن الناس يعرفونها، و. يكافئ الدليل.

وقد يبدو هذا حديثًا عن المستقبل، لكن الأرقام بدأت تتحرك. بين أول نوفمبر وآخر ديسمبر ٢٠٢٥، زادت الزيارات التي وصلت إلى مواقع المتاجر الأمريكية من أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي بنحو ٦٩٣٪ عن الموسم نفسه في العام الذي قبله، بحسب Adobe١. والشركة نفسها تنبّه إلى أن قاعدة هؤلاء المتسوقين ما زالت متواضعة، فالرقم يقول إن الطريق انفتح، ولا يقول إنه ازدحم.

ماذا يقرأ عنك؟

يقرأ الدلّال الجديد في الغالب ثلاثة أشياء: مراجعات عملائك، والمقارنات التي كتبها غيرك، وصفحتك التي تشرح ماذا تبيع.

أولها المراجعات، وقيمتها في تفاصيلها أكثر من نجومها. مراجعة تقول «ثبت معي من الصبح لين المغرب» تعطيه ما يقوله لسائله، وخمس نجوم بلا كلمة لا تعطيه شيئًا.

وثانيها ما يكتبه الآخرون عنك: تدوينة متخصص، أو سلسلة تغريدات من عميل متحمس، أو نقاش قديم في منتدى ما زال يظهر في البحث. هذه لا تملكها، لكنك تملك ما يدفع الناس إلى كتابتها: منتج يُحكى عنه، وخدمة يتذكرها من جرّبها.

وثالثها صفحتك أنت. هل تقول بوضوح ماذا تبيع، وبكم، ولمن يناسب؟ ، مليء بعبارات عن الشغف والريادة، وخالٍ من السعر وطريقة الاستخدام.

ويبقى شرط يجمع الثلاثة: ألا يناقض بعضها بعضًا. سعر في موقعك يختلف عن سعرك في التطبيق، أو مواعيد في الخرائط لم تُحدَّث منذ رمضان الماضي. والوسيط إذا وجد روايتين عنك، فالأسلم له أن يرشّح من له رواية واحدة.

عطران في الرياض

خذ مثالًا متخيَّلًا، لكنه قريب من أي سوق نعرفه. علامتان للعطور في الرياض. الأولى معروفة، لها لوحات على الطرق في كل موسم وفروع في المجمعات الكبيرة. والثانية محل صغير في حي سكني، بدأ قبل سنوات ببيع دهن العود بالتولة، ويشحن اليوم لكل المدن، وصاحبه يرد على كل مراجعة في خرائط قوقل، ويكتب في موقعه تحت كل عطر كم يثبت ومتى يناسب ولمن لا ينصح به.

يكتب عميل في الدمام على جواله: «أبي عطر عود يثبت للدوام، ما يكون ثقيل، بأقل من ٣٠٠ ريال». فيقلّب الوسيط ما كُتب عن العلامتين. عند الأولى يجد صفحة منتج فيها اسم العطر وصورته وعبارة «فخامة لا تُنسى». وعند الثانية يجد عشرات المراجعات التي تقول «خفيف ويثبت» و«لبسته في الدوام ومحد اشتكى»، وصفحة أجابت عن السؤال قبل أن يُطرح.

وانتبه إلى لغة السؤال. العميل كتب بالعربية، وبلهجته، ووصف حاجته بكلمات الدوام والثبات والثقل. والمحل الصغير كتب صفحته بالكلمات نفسها لأنه سمعها من زبائنه عند الكاشير، والعلامة الكبيرة كتبتها بلغة الحملة.

فيرشّح الثانية. ولا عداوة بينه وبين الأولى، كل ما في الأمر أنها لم تترك له ما يقوله.

وهذا لا يعني أن المحل الصغير سيهزم العلامة الكبيرة في كل سؤال. يعني أن ملايين الإعلان لم تعد تحجز لصاحبها مقعدًا في الإجابة، وأن الدكان الذي يعرف عملاءه بأسمائهم صار ينافس على المقعد نفسه.

وسيغري هذا بعضهم بالطريق القصير: مراجعات مصنوعة، ومقالات تُكتب للآلة ولا يقرؤها إنسان. وهو قصير فعلًا، لأنه ينتهي بسرعة. فالمراجعة المصنوعة إن لم يكشفها الوسيط كشفها العميل الذي اشترى بسببها، ثم كتب مراجعته الحقيقية، وهذه المرة بتفاصيل كثيرة.

وإن صار للدلّال إعلانات؟

في ٩ فبراير ٢٠٢٦ بدأت OpenAI تختبر إعلانات داخل ChatGPT، تظهر أسفل الإجابة وعليها علامة أنها مموّلة، وتقول الشركة إن الإعلانات لا تؤثر في الإجابات٢٣.

وكانت التجربة في أولها لمستخدمين بالغين في الولايات المتحدة على الباقة المجانية وباقة Go٣. ثم فتحت الشركة في ٣١ أغسطس ٢٠٢٦ شراء هذه الإعلانات للمعلنين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا٤، والسعودية بين تسع أسواق سمّاها خبر Martechvibe٥. أما أن الإعلان لا يمسّ الإجابة، فهذا كلام الشركة عن نفسها، ولم أجد جهة مستقلة تحققت منه. فإن صدق، فمعناه واضح لكل من يدير ميزانية:

تشتري المكان الذي تحت الدلّال، ولا تشتري رأيه.

وإن لم يصدق، فالمشكلة أكبر من التسويق. مساعد يبيع رأيه سيخسر ثقة مستخدميه قبل أن تخسر أي علامة شيئًا، وسيعود الناس حينها إلى عادتهم القديمة: يسألون من جرّب.

ولاحظ أين يقع المكان الذي تشتريه. الإعلان يأتي بعد أن قال المساعد رأيه، فقد يظهر إعلانك تحت إجابة رشّحت منافسك للتو. والمعلن يعرف شيئًا قريبًا من هذا في صفحة البحث، لكنه هنا أقسى: هناك يقف إعلانك بجانب روابط غيرك، وهنا يأتي بعد شهادة لغيرك. والأرجح أن الإعلان في هذا الموضع يخدم من رشّحه المساعد، لأنه يثبّت العميل على اختياره، أكثر مما يخدم من تجاوزه الدلّال.

الرقم الغائب عن تقريرك

اعتدنا أن نقيس الحضور: كم شخصًا رآنا، وكم منهم تذكّرنا، وما نصيبنا من الحديث في السوق. وهذه مقاييس صُنعت لزمن كان العميل يختار فيه وحده.

والزمن الجديد له مقياس أسمّيه «حصة الترشيح»: من كل عشر مرات يُسأل فيها المساعد سؤالًا في فئتك، كم مرة يرشّحك أنت؟ وتقيسه بنفسك بلا وكالة: اكتب عشرة أسئلة يسألها عميلك بكلامه، واطرحها على أكثر من مساعد، وعدّ المرات التي رُشّحت فيها.

والفكرة قريبة من مقياس يسمّيه بعض المسوّقين بالإنجليزية Share of Model، لكنه يعدّ كل مرة يُذكر فيها الاسم٦. وأنا أعدّ الترشيح وحده، والفرق بينهما أكبر مما يبدو.

: «وش أفضل محمصة قهوة مختصة في جدة؟» وليس «ما أبرز الحلول المتكاملة في قطاع القهوة؟». واطرح كل سؤال في محادثة جديدة، لأن المساعد يتأثر بما قيل قبله. ثم سجّل في جدول بسيط ثلاثة أعمدة: هل رُشّحت أو ذُكرت فقط، وفي أي ترتيب، ومن رُشّح مكانك.

ولا تحسب كل ذكر ترشيحًا. إذا ظهر اسمك في جملة مثل «وبعض العملاء يشتكون من تأخر التوصيل عندهم»، فقد ظهرت، لكنك لم تُرشَّح. افصل بين الاثنين من أول يوم، وإلا أعطاك الرقم صورة أجمل من الحقيقة.

والرقم الذي يخرج تقريبي، فاعرف حدوده قبل أن تضعه في تقرير. الإجابة تتغير من محاولة إلى أخرى، ومن مستخدم إلى آخر، وبحسب ما يعرفه المساعد عن صاحب السؤال. فلا تحكم من سؤال واحد، ولا تقارن رقمك برقم شركة قاست بطريقة مختلفة. قارن رقم هذا الشهر برقم الشهر الذي قبله، بالأسئلة ذاتها.

واختر التطبيقات التي يسأل فيها عملاؤك أنت، لا التي يتحدث عنها الناس في لينكدإن. وإن لم تعرفها، فأضف إلى استبيانك القادم سؤالًا واحدًا: آخر مرة سألت فيها الذكاء الاصطناعي عن شيء تريد شراءه، أي تطبيق استخدمت؟

وأنفع ما في الجدول عموده الأخير. ارجع إلى ما كُتب عن المنافس الذي رُشّح مكانك، وستعرف ما الذي وجده المساعد عنده ولم يجده عندك. وغالبًا تكون مراجعة تذكر التفاصيل، أو صفحة أجابت عن السؤال.

بند لا يملكه أحد

لا يحتاج هذا إلى إعادة بناء قسم التسويق. يحتاج سؤالًا واحدًا في اجتماع الميزانية القادم: كم ننفق لنُرى، وكم ننفق ليُكتب عنا ما يُقنع؟

الشق الأول له خطة ومسؤول يُسأل عنه. والثاني يتوزع في الغالب بين أقسام لا يجمعها أحد: خدمة العملاء التي ترد على المراجعات، ومن يكتب صفحات المنتجات، وفريق المبيعات الذي يسمع الأسئلة الحقيقية كل يوم ولا يُسأل عنها.

فاجعل له صاحبًا: شخصًا واحدًا يملك جدول الأسئلة، ويعرض رقم الترشيح كل شهر بجانب أرقام الوصول والتذكر. والفجوة بين الرقمين خبر بذاتها: علامة يعرفها الناس كثيرًا ويرشّحها المساعد قليلًا، عندها مشكلة لن تظهر في أي تقرير قديم.

والعلامة المتوسطة تحديدًا أمامها فرصة لم تكن تملكها في عالم اللوحات. لن تنافس الكبيرة في عدد الإعلانات، لكنها تستطيع أن تكتب صفحة أوضح من صفحتها، وأن ترد على عميلها في اليوم نفسه. وهذه أشياء يراها الوسيط، ولا يسأل معها عن حجم الميزانية.

الرأي اللي يخالفنا

كتبناه ضدنا بأقوى ما نقدر، وإنت احكم.

أقوى اعتراض على هذا المقال أن المساعد لا يقرأ من فراغ. هو يتعلّم مما كتبه الناس، والناس يكتبون عن العلامات التي يعرفونها، والإعلان هو الذي عرّفهم بها. فالميزانية الكبيرة تصل إلى الإجابة من باب خلفي، والعلامة المعروفة ستظل تُذكر أكثر من غيرها. ثم إن أغلب الشراء، على الأرجح، ما زال يتم بلا مساعد، والرقم الذي استشهد به المقال أمريكي ويبدأ من قاعدة صغيرة باعتراف أصحابه١.

كان الدلّال القديم يأخذ أجرته من الصفقة، فكان المشتري يعرف أن لرأيه ثمنًا. والجديد يقول إن رأيه لا يُشترى. فإن صدق، فلن تصل إليه بهدية ولا بصوت عالٍ، وطريقك الوحيد إليه أن يجد عنك ما يقوله.

خلصت. وين مال ميزانك؟

«لما يسأل زبونك الذكاء الاصطناعي وش يشتري، ميزانية إعلانك ما تخلّيه يرشّحك.»

النقاش

آراء القرّاء بعد ما خلّصوا المقال. ومعاذ يقرا كل رأي قبل ما ينعرض.

    وش تسوي بهالمعلومة؟

    ثلاث خطوات، أطولها ربع ساعة.

    1. اكتب عشر أسئلة يسألها زبونك عن اللي تبيعونه، بكلامه هو ولهجته.

      ١٠ دقايق
    2. اسأل أهم سؤال منها عشر مرات، كل مرة في محادثة جديدة، وعدّ كم مرة رشّحكم.

      ربع ساعة
    3. افتح صفحة أكثر منتج ينباع عندكم، وحط فيها السطر اللي يدوّره الزبون وما يلقاه: هالمنتج ما يناسب مين؟

      ١٠ دقايق

    نحفظ اللي سويته على هالجهاز، وما نربطه باسمك.

    من وين جبناها

    1. Adobe، «Holiday Shopping Season Drove a Record $257.8 Billion Online with Consumers Embracing Generative AI Tools»، ٧ يناير ٢٠٢٦news.adobe.com، فتحناه آخر مرة ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦
    2. OpenAI، «Testing ads in ChatGPT» (صفحة الشركة عن تجربة الإعلانات ومبدأ استقلال الإجابة)openai.com، فتحناه آخر مرة ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦
    3. Search Engine Journal، مات ساوثرن، «OpenAI Begins Testing Ads In ChatGPT For Free And Go Users»، ٩ فبراير ٢٠٢٦searchenginejournal.com، فتحناه آخر مرة ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦
    4. Campaign Middle East، هبة فيصل، «ChatGPT Ads arrive in MENA»، ٢ سبتمبر ٢٠٢٦campaignme.com، فتحناه آخر مرة ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦
    5. Martechvibe، صوفيا بينيت، «OpenAI Expands ChatGPT Ads across MENA»، ١٧ سبتمبر ٢٠٢٦martechvibe.com، فتحناه آخر مرة ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦
    6. Marketing Week، توم روتش، «‘Share of model’ is the new marketing measure for the AI era»، ١١ يوليو ٢٠٢٤marketingweek.com، فتحناه آخر مرة ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦

    سجل التصحيح

    ما صححنا شي في هالمقال للحين. وإذا لقيت غلط، قل لنا.

    المقال الجاي: «اللهجة البيضاء»، ينزل هنا الأحد ١ نوفمبر.

    سجّل، ويوصلك أول عدد من النشرة الأحد ١٣ ديسمبر الصبح.

    → ارجع للمدونة

    ١٢ دقيقة قراءة